وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء ـ ابنا ـ قال آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم في خطبة صلاة الجمعة اليوم (22/11/2013) بجامع "الإمام الصادق (ع)" في "الدراز" إن "كل الأمة الإسلامية والأمة العربية، وكل مجتمعاتنا ومنها المجتمع في البحرين يعيش انقساماً في الأكثر بين الحكومات والشعوب، ويعاني من أزمات سياسية وحقوقية حادة منها المتفجّر ومنها ما هو على هذا الطريق ولا سمح الله".
وأكد أن "محنة الأمة مع الإرهاب لن تنتهي ما لم تتحرر المراكز العلمية والافتاء الديني عن تبعيتها عن الحكومات الوضعية وهيمنتها".
وقال "الأمة إلى هلاك في ظل تبني الحكومات لجماعات الإرهاب ودعمها واستغلالها وفي ظل تبعية الفتوى للسياسية الدنيوية"، مشدداً على أنه "لا محيص لهذه الحكومات من أن تستجيب لإرادة الشعوب فيما تطلبه من تغيير".
وفيما يلي نص خطبة الجمعة الثانية لسماحته:
غرق أو نجاة:
في كل مجتمع وفي كل أمة مجانين وعقلاء، متطرفون ومعتدلون، منحرفون وأسوياء.
والأمة الإسلامية واحدة من هذه الأمم، والأمة العربية كذلك، وكل مجتمعاتنا محكومة لهذا الواقع، وتسودها هذه الحالة.
وكل الأمة الإسلامية والأمة العربية، وكل مجتمعاتنا ومنها المجتمع في البحرين يعيش انقساماً في الأكثر بين الحكومات والشعوب، ويعاني من أزمات سياسية وحقوقية حادة منها المتفجّر ومنها ما هو على هذا الطريق ولا سمح الله.
وكل حكومة والسائرين في فلكها على درجة وأخرى من التفاوت بين مراكز القوى فيها جنوحاً إلى التطرّف وانسياقاً وراء الغرور وتعطّشاً للفتك واستسلاماً للحقد ووقوعاً تحت تأثير الظروف وشططاً عن الدين وبُعداً عن الشعور الانساني وهجراً للخُلق السوي والرُشد والتعقّل. الناس يتفاوتون في ذلك قرباً وبُعداً، حكومات وشعوب كذلك.
والشعوب على حقانيتها في مطالبها المشروعة وما تقتضيه ضروراتها المعيشية والانسانية والدينية من الدفع والاستماتة في هذه المطالبة لا تستوي في كل شرائحها تعقّلاً وصبراً على خطأ الآخر وحكمة وبصيرةً وتأنياً واندفاعا.
وحين ننظر للواقع المتأزم الذي يعيشه الكثير من أقطار الأمة في داخلها والعلاقات البينية بين عددٍ من الأنظمة الحاكمة للأمة وما تعجّ به الساحتان العربية والإسلامية من حركات ارهابية متطرفة وما وصل إليه الوضع العام في هذه الأقطار وعلى مستوى الأمة الملتهبة فيها من درجة بالغة الخطورة يصدُق أن الأمة والكثير من أقطارها على مفترق طريقين لا ثالث لهما، ومعهما طريق الغرق أو النجاة.
الحال إما أن يترك للمتطرفين من أجنحة التعصب في الحكومات والحاقدين والذين لا يهمهم مصير مجتمعٍ ولا أمة أن يواصلوا تهوّرهم وتصعيدهم لمأساة الشعوب واضطهادها، وزيادة في التأزيم ويواصلون ما هم عليه من هدمٍ لما قد تبقى من جسور وإن كانت واهية وتوسيعاً للمسافة بين الطرفين، ولأن التطرف يوّلد التطرف ولكل فعلٍ ردُ فعلٍ من جنسه يكون التطرّف بعد هذا متبادلاً بين الحكومات وشرائح من شعوبها، فتُقاد الأوضاع إلى لجّة لا منجاة منها، وإلى غرقٍ محتّم ينتظر الجميع، وتتوّسع رقعة الحريق في الأمة كلها وتزداد الخطورة، وتنهار بنية الأمة إذا صار تبادلٌ للعنف والإرهاب وصار دعمٌ للحركات الارهابية من قبل الدول، فسادت الفوضى وانتشر الرعب على نطاقٍ واسع وأعمال التدمير والقتل والتصفيات الجماعية بلا حساب.
حين يدخل مكر الدول وأسلحة الدول، وجيوش الدول، وبطش الدول، ومخابرات الدول الاسلامية، يدخل كل ذلك في حربٍ متبادلة بين دول وأخرى، بين دولة وأخرى، بين أكثر من دولة وأخرى فتلك مصيبة وأكبر مصيبة.
وبإزدياد الحركات الارهابية ضراوة وفتكاً وتطرفاً واباحة لجميع أبناء الأمة تنتهي قضية الأمن داخل الأمة، ويكون التوجه للثأر والانتقام والاسراف في القتل خارج الدين وعلى خلاف الأخلاق والانسانية والضمير ومن دون إلتفاتٍ إلى مصلحة أو مفسدة.
ولن تتوقف الحركات الارهابية عند حد، ولا الأعمال الارهابية التي ترتكبها ما دامت تجد حواضن من حكومات تحرّكها لمصالحها، وما دامت فتاوى التكفير لا يتوّقف صدورها، وما دام التأمّر على الجماعات والحركات والأحزاب السياسية لا يحتاج إلى علمٍ واسع وتخصص فقهي يتناسب مع هذا الموقع الخطير.
ولن تنتهي محنة الأمة مع الارهاب ما لم تتحرر المراكز العلمية الدينية ومراكز الافتاء الديني المأخوذ برأيها عن تبعيتها للحكومات الوضعية وهيمنتها، وللسياسة غير الشرعية، وما لم تتوفر على كامل استقلالها.
وستبقى محنة الأمة مع الارهاب اذا بقي الباب مفتوحاً لكل متصدٍ للافتاء في الشأن العام ولم تصدر المراكز العلمية المعتبرة في الأمة شروط الكفاءة العلمية والدينية للافتاء حتى تسقط قيمة كل الفتاوى الفاقدة للأهلية ولا يكون لها اعتبارٌ في أوساط الأمة.
والأمة اليوم بين غرقٍ ونجاة، وغرقها محتّم عندما يكون القرار في الحكومات بيد الأجنحة المتطرّفة فيها والمولعة بالمصادمة مع الشعوب وتصفية المعارضة، وتأمل القضاء على أي أملٍ في الحرية ولا ترى هذه الأجنحة إلا أنهم أربابٌ من دون الله وأن كل الناس الآخرين إنما هم عبيدٌ لهم. (1) هتاف جموع المصلين: "لن نركع الا لله".
والأمة إلى هلاك في ظل تبني الحكومات لجماعات الارهاب ضد بعضها البعض ودعمها واستغلالها، وفي ظل تبعية الفتوى للسياسة الدنيوية المنتشرة في حياة الأمة وفي الجو المفتوح لفتاوى التكفير والفتاوى الجهادية القاصرة.
أما نجاتها ففي توقف هذه المهازل والمآسي كلّها ووقفة عامة من كل الغيارى من كل المذاهب وأهل الحكمة والرُشد من أجل إنهائها.
ولا تأمل حكومة من حكومات الأمة العربية والأمة الاسلامية بعد اليوم لما صارت إليه الشعوب من وعي وتنبّه في الحس الإسلامي ودرجةٍ ما من الصحوة الإسلامية والتأثّر بالشعور بكرامة الإنسان التي يؤكد عليها الدين الحق واستلهام العزة الإسلامية بالله سبحانه ودفع الصحوة القوي لقيم الدين ومنها قيمة العدل والتحرر من عبودية الإنسان للانسان ولأي شيء من غير الله تبارك وتعالى.
لا تأمل حكومة من حكومات الأمة العربية والاسلامية ولا ينبغي لها أن تأمل في ظل هذا الواقع الجديد الذي صار يعيشه إنسان هذه الأمة في أن تستمر شعوبها في قبول حالة التهميش والإذلال والاستغلال والاستعباد وما ينالها من استخفاف أنظمة الحكم واضطهادها ولو كثُرت العذابات واشتدّ الضغط وكذب وزيّف وعرّبد الاعلام وأمعن في التحايل واستهدف الدين بالتزوير ليتحوّل الدين من قوة إيقاظ ودفعٍ وتحريك إلى عامل ضعف وسبات وتعطيل.
إنه لا محيص لكل الحكومات العربية والإسلامية المقاومة للتغيير الإيجابي الصالح بما يعطي للشعوب الإعتراف بها وفرصة الإختيار لتحديد مصيرها وللإسلام إعتباره الحقيقي وهو الدين الذي لا ترتضي الأمة من دونه ولا ترى قضية الانتماء هزلاً ولا مزحاً من أن تكفّ عن هذه المقاومة والممانعة وتستجيب لإرادة الشعوب فيما تؤمن به وتهدف إليه وتصر عليه.
وإن لم يكن فالطريق يطول والتكاليف قد تتعاظم والخسائر قد تزداد ولكن النتيجة أخيراً هي التغيير ولا مفر منه على الإطلاق.
شعائر الدين توقيفية:
الدين الحق أمره إلهي محض، ليس للناس أن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه على الإطلاق، والمرجع في الوصول إليه الدليل الذي يرتضيه الدين وليس الإستحسانات البشرية الاجتهادية وإن صاحبتها النية الصحيحة والقصد السليم.
وشعائر الدين منه -أي من الدين- وهي توقيفية كذلك لا يُتعدّى فيها الدليل، ولا يجري فيها الاختراع والاقتراح، ولا تقبل الإضافة لا في حجٍ أو في غير حج –هل تستطيع أن تضيف للحج شيئاً أو تنقص منه شيئاً؟- وهذا مما لا ينبغي أن يجري فيه نقاش.
وإحياء أمر الدين واجب شرعي لا مِراء فيه، وإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام من أمر الدين فحُكمه حكمه، وإهمال أمرهم إهمال للاسلام نفسه، فأقول حكم الاثنين واحد.
وليس لأهل البيت عليهم السلام أمرٌ يختلف عن أمر الدين يمكن أن يحيى أحدهما بحقٍ ويُهمل الآخر، والاحياء لأمر الدين ولأمر أهل البيت عليهم السلام بمَ يكون؟
والإحياء لأمر الدين وأمر أهل البيت عليهم السلام يكون بشرحه وبيانه واظهاره وإعلانه والبرهنة والاستدلال عليه والأخذ بما أمر الاسلام وأهل البيت عليهم السلام والنأي عمّا هو محل النهي منهما، وبالتخلّق بالخلق العظيم الذي جاء عنهما، والتخلّي عن الخلق اللئيم الذي حذرّا منه من يصغي لهما، هذا هو الاحياء، هذا من إحياء الدين.
ولا يتم إحياء أمر الدين وأمر أهل البيت عليهم السلام بأي تعدٍ عمّا جاء من أحكامٍ وحدودٍ عنهما – أريد أن أحيي الدين بما يخالف حكماً من أحكامه؟ هذا هدم للدين وليس إحياءاً له-، وكل هذا مما لا غبار عليه ولا يطرقه شكٌ ولا ريبة.
وإحياء ذكرى ثورة الحسين عليه السلام من إحياء أمر الدين وأهل البيت عليهم السلام، وعملية الاحياء هذه سلوكٌ من سلوكات الانسان المسلم والجماعة المسلمة والمجتمع المسلم الخاضعة للأحكام الشرعية الخمسة: الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة بمعناها الخاص، وليس لها حكم ثالث ولا يمكن أن تتعدى دائرة هذه الأحكام، فكل ما كان حراماً في الموارد الأخرى حرامٌ في مورد احياء عاشوراء، وكل ما كان مباحاً كان فيه مباحٌ، وهكذا بقية الأحكام.
فيجب أن نتفق جميعاً على هذه القضية البيّنة التي لا أرى أن أحداً يُحتمل أن يناقش فيها، وعلى مستوى الدليل الشرعي الخاص بالوطئ على الجمر وكونه مستحباً واسلوباً من أساليب إحياء عاشوراء لا أحد يدّعيه، ومثله ركضُ النساء في موكب العزاء المسمّى بعزاء طويريج أو غيره، لا يمكن لأحدٍ أن يأتي له ببرهان لإثبات إستحبابه، ومن يقول بأن حرق الأقدام بالجمر وإلهابها داخلٌ في المباح؟ وأن نسبته للاستحباب الشرعي مشروعة؟ أن أقول هذا مستحب سأًسأل بين يدي الله أين دليلك؟
ومن يقول بعدم المرجوحية لركض النساء المُخرج عن الحشمة والوقار على أقل تقدير وأمام الأجانب ولغير ضرورة وبصحة أن يُنسب هذا الأمر إلى احياء الدين وأمر أهل البيت عليهم السلام وهم من أشد الناس حرصاً على حرمة النساء والوقار والحشمة؟ وكم كان يعز على الإمام الحسين عليه السلام أن تكون الفاطميات محل فُرجة في طريق السبي ومجلسي يزيد وابن زياد؟
هاتان ممارستان لا ينبغي أن يقر لهما قرار في المجتمع المؤمن، أو أن يجدا فيه موطئ قدم على الاطلاق.
وينبغي لكل شبابنا وشاباتنا الأعزاء -كلّ